محمد بن جرير الطبري

214

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بخلاف جميعهم لها دليلا على ذهابها وشذوذها . وإنما معنى الكلام : وما يدريكم أيها المؤمنون لعل الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك ولا يؤخروا به . القول في تأويل قوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ما آمنوا كما لم يؤمنوا بما قبلها أول مرة ، لأن الله حال بينهم وبين ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ الآية ، قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ قال : نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أول مرة . وقرأ : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ قال : نحول بينهم وبين الإيمان ، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة . وقال آخرون : معنى ذلك : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا ، فلا يؤمنون كما فعلنا بهم ذلك ، فلم يؤمنوا في الدنيا . قالوا : وذلك نظير قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ . ذكر من قال قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قال : أخبر الله سبحانه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه ، قال : ولا ينبئك مثل خبير : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يقول : من المهتدين . فأخبر الله سبحانه ، أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وإنهم لكاذبون ، وقال : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا . وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله جل ثناؤه أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرفها كيف شاء ، وأن ذلك بيده يقيمه إذا شاء ويزيغه إذا أراد ، وأن قوله : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا